بريطانيا تثير الجدل دائما خاصة عندما يقترن اسم أحد أفراد الأسرة المالكة بالإسلام؛ فقبل سنة خرج علينا أحد الدعاة قائلا إن الملكة إليزابيث يمتد نسبها إلى بيت النبوة؛ وقبل عقدين سرت شائعات بإسلام الأميرة ديانا؛ والآن فيلم عن علاقة الملكة فيكتوريا بخادمها الهندي عبدول أو عبد الكريم.

مؤخرًا تداولت الأنباء حول صدور فيلم روائي يحكي قصة العلاقة الخاصة التي جمعت بين الملكة فيكتوريا وخادمها الهندي «عبدالكريم»، وذلك من بطولة الممثلة «جودي لينش»، على أن يُعرض في دور السينما الشهر المقبل، حسب صحيفة «تايمز».

العلاقة التي جمعت بين الملكة وخادمها الهندي أثارت جدلًا في نهاية القرن الـ19، وأصبح مثار اهتمام من قبل كثيرين، معتقدين أن الأمر أخذ منحى جنسيًا، في حين وصفها آخرون بأنها «علاقة أفلاطونية»، أي روحية فقط.

في فبراير 2011 نشرت صحيفة «تليجراف» البريطانية عرضًا لكتاب «فيكتوريا وعبدول»، لمؤلفته «شراباني باسو»، واستندت فيه إلى مذكرات الخادم الهندي «عبدالكريم» التي عثرت عليها عام 2010، وحصلت عليها من إحدى قريباته.

وجاء في الكتاب، حسب ما ترجمته صحيفة «الراكوبة» السودانية، إن الملكة فيكتوريا قالت عن «عبدالكريم» في أحد الأيام، للدوقة «لويزي»، إنها مولعة جدًا به، معتبرةً إياه شخصًا طيبًا ولطيفًا ومتفهمًا، وهو ما يعكس الحميمية التي كانت بينهما، ما دفع ابنها، الملك إدوارد، إلى إصدار أمر بحرق جميع الرسائل والصور التي توثق علاقتهما.

ووفق مذكرات «عبدالكريم»، التي نشرتها «باسو» في كتابها، روى أنه قَدِم إلى إنجلترا للمرة الأولى لحضور العيد الذهبي للملكة فيكتوريا عام 1887، إذ إن الملكة أمرت بإحضار رجلين هنديين لخدمة أميرين هنديين، كانا من المقرر أن يشاركا في الاحتفالات، حتى سُحرت به فور رؤيتها له.

يقول الخادم الهندي في مقدمة مذكراته: «تحت ظل صاحبة الجلالة الملكة فيكتوريا، أشرف وبكل تواضع أن أضع أمامك أيها القارئ ملخصًا موجزًا لبعض من مذكراتي خلال عملي في البلاط الملكي، من أيام العيد الذهبي لجلالتها في 1887 إلى عيدها الماسي في 1897، وبما أني لم أكن إلا عابر سبيل في أرض غريبة وسط أناس غرباء، فإنني أثق في أن القارئ سيغض الطرف عما في كتاباتي من أخطاء، وأن ينظر بعين العطف في مضمونها».

تابع: «في عام 1887، وبناء على توصية من دكتور (تايلر) رئيسي المباشر في السجن العمومي، قدمت إلى لندن للعمل كوصيف للملكة فيكتوريا، ويجب القول بأن كلمة وصيف كما نفهمها نحن في الهند هنا هو اسم لمرافق الملك أو الأمير أو الشخص المهم ذي الحيثية، وهو بهذا الوصف يفوق الوصف في الجيش البريطاني الحامل لذات المسمى الوظيفي، إذ إنه في بريطانيا مجرد نفر في أدنى رتبة في الجيش يعمل كخادم شخصي لضابط، ويفعل ما يؤمر به، رضيت بتلك الوظيفة بالمعنى الهندي الذي أفهمه، وسافرت لإنجلترا».

ويتذكر قصة لقائه الأول معها: «طُلب مني ومن دكتور (تايلر) بأن نقف في مكان معين قرب غرفة طعام الملكة وأن ننتظر قدومها، كنت قلقًا بعض الشيء من مقابلة الإمبراطورة الأعظم، وسرعان ما قدمت بصحبة دوق (كونوت) والأميرة (بياترس)، انحنى دكتور (تايلر) على الفور تحية للملكة، وفعلت ذات الشيء على الطريقة الشرقية، وقدّمت لجلالتها قطعة ذهبية وضعتها على باطن يدي هدية مني لها، لمستها ثم ردتها إليّ كما تقتضي العادة الهندية، وتبادلت بعد ذلك كلمات قليلة مع الدكتور».

بعد يومين كتبت الملكة في يومياتها حول خادميها الهنديين الجديدين: «أولهما محمد بخش، رجل شديد السواد صاحب وجه مبتسم، والآخر يصغره بكثير، ويسمى عبدالكريم، لونه أفتح بكثير من صاحبه، وهو شاب طويل، مليح الشكل وجاد الملامح، والده طبيب شعبي من مدينة أقرا، قبّل الاثنان قدمي».

بمرور الأيام أدخل «عبدالكريم» الطعام الهندي، الكري، على قائمة الطعام الملكي، وبدأ يعلم ملكته اللغة الأوردية في دروس مسائية، وهو ما أسعدها آنذاك، رغم ذلك لم يكن الخادم مسرورًا بعمله، معتبرًا إياه ضئيل الشأن، حتى رغب في العودة إلى وطنه الأم.

فور علم الملكة برغبة خادمها الوفي راسلته قائلة: «قرأ عليّ الجنرال (دنهي) طلبك، سأكون في غاية الأسف لفراقك، إذ إنني أكن لك كل الإعجاب والاحترام، لكني أتمنى أن تظل هنا حتى نهاية العام أو بداية العام المقبل، حتى يمكنني تعلم ما يكفي من الهندوستاني منك وأتحدث بها قليلًا، سيسعدني أن أزكيك لوظيفة في الهند تناسبك، وأن تأتي لتراني في إنجلترا من وقت لآخر».

أوفت الملكة بوعدها وعينت «عبدالكريم» في وظيفة معلم خاص لها، والكاتب الهندي الخاص بها، وكتب الخادم ردًا عما ناله: «لن أنسى ذلك اليوم ما حييت، سأظل شاكرًا للملكة جميل إحسانها، وأتمنى لها طول العمر ودوام السعادة».

واظب الخادم على مرافقة الملكة في جولاتها الأوروبية، وقابل العديد من ملوك ورؤساء تلك البلدان معها، إلى أن سمحت «فيكتوريا» له باستقدام زوجته لإنجلترا، ومنحته بيتًا صغيرًا في كل قصر بالمملكة المتحدة، وبنت له منزلاً في قلعة «بالمورال» باسكتلندا أسمته «بيت عبدالكريم».

أغرمت الملكة، صاحبة الـ70 عامًا، بمراسلته بشكل يومي، ورغم أنها أم لـ 9 أطفال إلا أن علاقتها بهم لم تكن حميمة مثل حالها مع الخادم، وبمرور السنوات أصبح لـ«عبدالكريم»، وهو في الـ 26 من عمره، خدم كثيرون من واقع اتساع نفوذه، وخشي مسؤولو القصر من تمدد صلاحياته بشكل أكبر، وهو من كان يطلع على الرسائل التي تكتبها «فيكتوريا»، وينصحها بما يجب عليها أن تكتبه في المسائل المهمة.

حسب المترجم بـ«الراكوبة» تدخل «عبدالكريم» في قرارتها الخاصة بالصراع الديني بين الهندوس والمسلمين، حتى كان أغلبها في صالح المسلمين، إلا أن الطلب الوحيد الذي رفضته هو رغبته في أن تمنحه لقب «فارس الإمبراطورية البريطانية».

ذلك الرفض أغضب «عبدالكريم» بشدة، وما زاد الأمر سوءًا هو قضاء الملكة لليلة، عام 1889، في بيت مع مدرسها الهندي في منزل اسكتلندي منعزل، كانت تتقاسم العيش فيه قديمًا مع خادمها الاسكتلندي «جون براون»، بعد أن أقسمت في السابق على ألا تطأه بعد رحيل ذلك الخادم الأمين.

حاول كثير من أفراد العائلة المالكة إبعاد «عبدالكريم» عن الملكة دون جدوى، إلى أن توفيت في عام 1901، وخُصص للخادم مكان بارز وسط المشيعين، إلا أن الحراس أمروه بعد أيام قليلة بتسليمهم كل الرسائل التي بعثتها له «فيكتوريا»، وفعل ذلك مخفيًا مذكّراته.

المصدر: المصري اليوم

الملكة فيكتوريا وعبدالكريم.. قصة حب كادت أن تحول بريطانيا إلى مملكة إسلامية